الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

96

مختصر الامثل

وتجارتكم وتعينكم في كل ما يخصّ أمور دنياكم ودينكم . أمّا لماذا ؟ فلأنّ اللَّه تبارك وتعالى « إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا » . من هذا التوحيد الاستدلالي والذي يعكس جانباً صغيراً من نظام الخلق ، وعلم وقدرة وحكمة الخالق جلّ وعلا ، تنتقل الآية إلى أسلوب الاستدلال الفطري فتقول : لا تنسوا « وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ » . حيث يضل أي شيء من دون اللَّه ، لأنّ ضرر البحر إذا وقع ، كالطوفان وغيره يذهب بكل الحواجز وأستار التقليد والتعصب اللاصقة على صفاء الفطرة الإنسانية ، لينكشف نور الفطرة الذي هو نور التوحيد والإيمان والعبودية للَّه‌دون غيره . إنّ الآية تعبّر عن قانون عام ، عرفه كل من جرّب ذلك ، حيث تؤدّي المشاكل والصعوبات الحادّة التي يمرّ بها الإنسان - ويصل السكين العظم - إلى الغاء كل الأسباب الظاهرية التي كان يتعلق بها الإنسان ، وتنعدم فاعلية العلل المادية التي كان يتشبث بها ، وتنقطع كل الأسباب ، إلّاالسبب الذي يصل الإنسان بمصدر العلم والقدرة المطلقتين ، والذي هو - لوحده سبحانه وتعالى - قادر على حلّ أعقد المشكلات . ثم تضيف الآية : « فَلَمَّا نَجكُمْ إِلَى الْبَرّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا » . مرّة أخرى تغطّي حجب الغرور والغفلة والتعصّب هذا النور الإلهي ، ويغطّي غبار العصيان والذنوب وملاهي الحياة المادية فطرة الإنسان ووجدانه . ولكن هل تظنون أنّ اللَّه لا يستطيع أن ينزل بكم عقابه الشديد وأنتم على اليابسة وفي قلب الصحاري والبراري ؟ لذلك تقول الآية : « أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرّ » . ثم أضافت : « أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَاتَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا » . بعد ذلك تضيف الآية مذكّرة أمثال هؤلاء بأنّكم هل تظنون أنّ هذه هي المرّة الأخيرة التي تحتاجون فيها إلى السفر في البحر : « أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَاتَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا » « 1 » . أي : لا أحد حينئذٍ

--> ( 1 ) « حاصب » : تعني الهواء الذي يحرّك معه الأحجار الصغيرة . « قاصف » : بمعنى المحطّم ، وهي هنا تشير إلى العاصفة الشديدة التي تقلع كل شيء من مكانه . « تبيع » : بمعنى تابع ، وهي تشير هنا إلى الشخص الذي ينهض للمطالبة بالدم ، وثمن الدم والثأر ويستمر في ذلك .